أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

54

التوحيد

قال الشيخ أبو منصور رحمه اللّه : وجملة ذلك أن إضافة كليّة الأشياء إليه ، وإضافته عز وجل إليها يخرج مخرج الوصف له بالعلوّ والرفعة ومخرج التعظيم له والجلال كقوله : لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الفرقان : 2 ] ، رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الصّافات : 5 ] ، إله الخلق ، رب العالمين ، وفوق كل شيء ونحوه . وإضافة الخاص إليه يخرج مخرج الاختصاص له بالكرامة والمنزلة والتفضيل له على من هو بجوهره نحو قوله : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا [ النحل : 128 ] وقوله : أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ [ الجن : 18 ] ، اللَّهِ ناقَةَ [ الشمس : 13 ] بيت اللّه وغير ذلك ، ولا يخرج شيء من ذلك على مثل المفهوم من إضافة الخلق بعضهم إلى بعض ، لا قطع احتمال مثله في الخلق ، إذ قد تخرج أيضا إضافة التخصيص مخرج التفضيل ، والعموم مخرج فضل السلطان والولاية . قال أبو منصور رحمه اللّه : الأصل فيه أن اللّه سبحانه كان ولامكان ، وجائز ارتفاع الأمكنة وبقاؤه على ما كان ، فهو على ما كان ، وكان على ما عليه الآن ، جلّ عن التغيّر والزوال والاستحالة والبطلان ؛ إذ ذلك أمارات الحدث التي بها عرف حدث العالم ، ودلالة احتمال الفناء ؛ إذ لا فرق بين الزّوال من حال إلى حال ، ليعلم أن حاله الأولى لم تكن لذاته ؛ إذ لا يحتمل زوال ما لزم ذاته ، وبيّن أنها ليست لذاته ؛ لما احتمل هو قبول الأعراض وانتقال الأحوال ، ولا قوة إلّا باللّه . وبعد ، فإن في تحقيق المكان له والوصف له بذاته في كل مكان تمكين الحاجة له إلى ما به قراره على مثل جميع الأجسام والأعراض التي قامت بالأمكنة وفيها تقلبت وقرّت ، على خروج جملتها عن الوصف بالمكان ، فمن أنشأها وأمسك كليّتها لا بمكان ، يتعالى عن الحاجة إلى مكان ، أو الوصف بما عليه العالم : أنّ كليّته لا في مكان ، وأنه بجزئياته في المكان . ثم إن اللّه تعالى لو جعل في مكان لجعل بحق الجزئية من العالم ، وذلك أثر النقصان ، بل لما استقام قيام جميع العالم لا بالأمكنة للجملة ، فقيّمه على ذلك أحق وأولى ، ولا قوة إلّا باللّه . قال أبو منصور رحمه اللّه : ثم القول بالكون على العرش - وهو موضع بمعنى كونه بذاته أو في كل الأمكنة - لا يعدو من إحاطة ذلك به ، أو الاستواء به ، أو مجاوزته عنه وإحاطته به ، فإن كان الأول فهو إذا محدود به محاط منقوص عن الخلق إذ هو دونه ، ولو جاز الوصف له بذاته بما يحيط به من الأمكنة لجاز بما يحيط به من الأوقات فيصير متناهيا بذاته مقصّرا عن خلقه ، وإن كان على الوجه الثاني فلو زيد على الخلق لا ينقص أيضا ، وفيه ما في الأول ، وإن كان على الوجه الثالث فهو الأمر المكروه الدّال على الحاجة وعلى التقصير من أن ينشئ ما لا